جرأة صادمة في ديوان العشيقة والغبي
ميدل ايست اون لاين
القاهرة
حاتم عرفة يحمِّل الألوان دلالات كلمات باسم حمودة، فالعشيقة بالأحمر والغبى بالأصفر وللمخادن البرتقالي وللفراش الأبيض.
"العشيقة والغبى ومخادنٌ بفراشها"، عنوان ديوان شعر فصحى صدر حديثا عن دار نشر "اكتب" للشاعر الشاب "باسم حمودة".يحمل العنوان الكثير من الجرأة الصادمة للقراء والمستهجنة بعض الشئ، والتى تجعل البعض قد يحجم عن اقتناء الديوان، فيما يسعى البعض الآخر لمحاولة فك طلاسم هذا العمل، هذا بخلاف طول العنوان الذي يتكون من أربع كلمات على غير العادة.
ثمة تعاون لحاتم عرفة مصمم الغلاف ليجعل الألوان تحمل دلالات الكلمات، فالعشيقة باللون الأحمر، والغبى بالأصفر الذي يشير للخجل والغيرة والحسد أحيانا، فيما اختار للمخادن اللون البرتقالي لون الحركة والثورة. والثلاثة من جنس الألوان الدافئة، وترك للفراش اللون الأبيض.
مقدمة الديوان لأحمد يوسف عزت المدرس المساعد بكلية التربية بمحافظة بورسعيد المصرية، كانت غريبة بعض الشئ حيث استخدم فيها كلمات وعبارات عصية جاءت على عكس ماجاء به الديوان من ألفاظ سلسة سهلة الفهم، فقد تحتاج المقدمة إلى معاجم لفك رموزها، كما أن عزت سما بالتجربة لحد كبير حتى أنه اعتبرها تجربة نادرة من (وادي عبقر) وهو الأمر الذي قد يضع الشاعر في مرمى نيران النقاد بشكل كبير.ويتضح لقارئ الديوان أن الشاعر يأخذ على عاتقه مهمة إعادة القراء من غير جمهور المثقفين لعالم شعر الفصحى الذي هجروه تقريبا بيسر وسلاسة، فلا يغالى في استخدام مفردات صعبة ولا عبارات جزلة، بالعكس، هو يستخدم تعبيرات شائعة دارجة قريبة لمسامع الناس ويرقى بها لمرتبة شعر الفصحى. كقوله:
(والصفحُ إن لم تركبي أذنيَّ)، (ألعبُ – سِيانَ - بالبيضِ أو بالحجر)، (هل يخفى القمر؟)، (ماءُ عِفريت)، (نحن اللذان أكلنا النَبَقْ)، (أبصَ)، و(أنده) الكلمة الغريبة في استخدامها والتى أكد محمد المغربي عضو أمانة مؤتمر أدباء مصر والذي كتب دراسة للديوان على أن (أنده) فعل فصحى يتجنبه الشعراء في استخدامهم إلا أن باسم كان جريئا في الإصرار على استعمال الكلمة.هذه الدراسة التي أضافت كثيرا لقارئ الديوان، غير أن الشاعر لم يوفق في وضعها أول الديوان حيث لم تجعل للقارئ مجالاً لإعمال العقل والتفكير في بعض القصائد وأغلقت الباب دون الخيال في بعض الأحيان.
ويمكن استخلاص أكثر من حكمة من بين القصائد قد تكون حقيقية وعلى جانب كبير من الصواب مثل:
(الحبُ كالضعفاءِ في العصرِ الحديثِ .. ممارسٌ حقَّ البغاء).
(ألا من يأمنِ النسوانَ منَّا ..سيعلمْ كم يبعن ويشترينا)
(حين الطب يقررُ قتلَ مريضٍ .. فهو المشفِقْ)
وحين يتحدث الشاعر عن الحبيبة فهو يمحو باقي النساء بعنف ولا يرى سواها وهو ما قد لا يروق لبعضهن. فيقول مثلا:
(إذا ما شُُوهِدت بين النساءِ .. تظنُ الأخريات مخنثينا)
(وكأنها هي وحدها الأنثى، وما تلك النساءُ سوى إماءٍ جِئنَ يستعطفن هارونَ الرشيد)
وحين يثور باسم ويغضب يكون كالإعصار فينعت المرأة بما لا تطيق من صفات مثل:
بنت إبليس اللعين، بلهاء، حمقاء، غبية، مجنونة، وهى صفات قاسية كما نرى.ولا ينجو هو نفسه من الغضبة، فيقول مثلا:
(ويا قلبُ إما تطيعُ أوامرَ عقلي وإلا حِذائي)، (وقلبي إذا كان ضدي فوحدي ومليونُ طوفانَ بعدي).
ويحتار القارئ في أمر هذا العاشق المغرق في الرومانسية حين يصف نفسه بما قد يسيء إليه كقوله:
(وحين أملُّ أُبدلُ أنثى بأنثى)، (ألا تعلمينَ بأني أفوقُ التماسيحَ حيناً وفى كلِ إفكٍ مصنف).
ولا يخلو الديوان من روح الدعابة فهناك قصيدة "امرأة سحرية" التي يقول فيها مثلا
(كتمانُ الحبِ مخالفةٌ دستورية .. وعقوبةُ كتمانِ الحبِ كما نصَّ القانونُ جنائية).
في الديوان قصيدة "أهواكا" النزارية بعض الشئ وقد تكون هي الأكثر جرأة بين قصائده خاصة أنه كتبها على لسان امرأة.ونعود للدراسة المرفقة بالديوان والتى تشير لإتكاء باسم على التراث اللغوي والعقائدي، يظهر ذلك في قصيدة "امرأة العزيز"، التي يغترف فيها من قصتي يوسف عليه السلام، والسيدة مريم، وقصيدة "لا أحبك شيئاً" حيث يذكر أسطورة ذات الرداء الأحمر فيقول: (كفاكِ ادعاء .. فلستُ بذئبٍ ولستِ بذاتِ الرداء).
الديوان في مجمله إطلالة رومانسية قوية وتنقل بين الإغراق في الحب والكراهية الجمة في ثوب واحد، هو الديوان، لم يهترئ ولم ينفرط عقده، بل ظل باسم حمودة ممسكا بالخيط مشدودا حتى آخر قصيدة.ولم يبق لنا إلا الوقوف عند بعض سطور الدراسة المرفقة بأن هناك هنات هنا وجرأة هناك كشأن كل عمل إنساني يتركها كاتب الدراسة لفطنة قارئ الديوان.